المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منظمات المجتمع المدني ودورها في والديمقراطية والحكم الراشد


3anid
27-Jul-2010, 13:41
هذه بعض المواضيع التي أقدمها لمن هم بصدد المراجعة للإمنحانات المهنية و المسابقات و التي أرجو أن تنال إعجابكم و لا تنسوني بصالح الدعاء :)

منظمات المجتمع المدني ودورها في والديمقراطية والحكم الراشد

المجتمع المدني مفهوم عريق نسبياً رغم ما يبدو عليه من انه حديث النشأة فقد صاحب النقلة الكبرى التي أحدثها (عصر النهضة) في أوربا ويمكن القول أن (روسو) هو أول من وضع حجر الأساس لهذا المفهوم من خلال أفكاره فى كتاب (العقد الاجتماعي).. حيث يقول : " يحدث توافق بين الجميع على قدر من التنازلات فى سياق اجتماعي، يتم فيه التنازل إرادياً عن بعض الحقوق الشخصية، مقابل منفعة أخرى ، تتمثل فى مجتمع منظم مستقر، وحكم راشد."
ولمعرفة خلفيات عن المجتمع المدني لابد من التطرق لمفهوم الدولة لأنها المؤسسة الأولي للمجتمع المدني ولا يمكن تطوير المؤسسات اللاحقة وترك المؤسسة التي سبقتها دون متابعة تطورها في سياقها التاريخي والمستمر ولأنها هي الجهة التي تنظم أي مؤسسة عبر ذراعها التنفيذي وهو الحكومة . فعندما تطورت المجتمعات وازداد عدد أعضاؤها برزت الحاجة إلي وجود الدولة لتنظيم حياة البشر والفصل بين المنازعات وتنزيل قيم الواجبات والحقوق ، ولهذا يمكن تعريف الدولة بأنها تجمع منظم لمؤسسات حكم ثابتة نسبيا ، أو هي مجموعة روابط ووكالات تدعي أن لها سلطات علي حدود معينة بداخلها عدد مقدر من السكان .
مرت تلك الدول بأنظمة حكم مختلفة منذ دولة المدينة عند أرسطو وأفلاطون إلي الدولة الإمبراطورية في العهد الروماني ثم الدولة الأمة التي نتجت عن معاهدة سلام ويستفاليا 1648م .
ومنذ عقدين من الزمان خلت تم تداول هذا المصطلح مرتبطا مع مفاهيم ومعاني الديمقراطية وموضوعا أساسيا لنشاطات الباحثين في مجال السياسة والاجتماع، واحد المحاور الأساسية عند الساعين إلي التحول الديمقراطي واختلف المفكرون وأصحاب النظريات حول تعريف محدد للمجتمع المدني وتحديد أهداف منظماته المتعددة المناهج والأغراض .
غير أن من المسلم به أن هناك ارتباطا وثيقا بين المجتمع المدني وقضايا الديمقراطية والحكم الراشد لارتباط المنظمات بعدد كبير من القضايا والمفاهيم السياسية والفكرية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية وبالآليات المعتمدة لتحقيق هذا الارتباط ولتشكيل الصورة الديمقراطية المستهدفة من بناء المجتمع المدني من جهة ثالثة .وفي التجارب العالمية والإنسانية منذ الحضارات القديمة وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين كثير من الشواهد والمعطيات عن تلك التجارب والمحاولات ابتداء من المفاهيم الأولية في جمهورية أفلاطون إلي فلسفة الحق عند هيغل وقرامشي وغيرهم وهذا ما ستحاول هذه الدراسة الإجابة عليه مستخدمة المنهج الوصفي التحليلي.
مفهوم الحقوق في إطار المنظور الفلسفي للدولة
تناول العديد من الفلاسفة مفهوم الدولة منذ أرسطو وأفلاطون غير إننا لا يمكننا في هذه الدراسة تناول المنجزات الفكرية لكل أولئك الفلاسفة والمفكرين ، وبما أن موضوع هذه الورشة هو الحقوق والواجبات المتفق عليها بموجب العقد الاجتماعي تم التركيز علي موضوع الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
إن مفهوم الحقوق قد ورد بالتفصيل في كتاب هيغل ( فلسفة الحق) . إن هذا الكتاب الذي صدر في آخر أيام مؤلفه، إنما أتى خلاصة للفكر الباحث في مسألة الدولة على مر العصور، ورحماً ولدت منه معظم النظريات الحديثة حول الدولة، سلباً أو إيجابا. ذلك إن هيغل، بقدر ما اهتم هنا بالبحث في مسائل السياسة والقانون الدولي، اهتم أيضا بالتحليل الفلسفي العقلي لمؤسسات المجتمع: الأسرة والمجتمع المدني والدولة .
ولعل ما يضيف إلى أهمية هذا الكتاب وعلاقته بموضوع هذه الدراسة انه كتب في زمن كانت مفاهيم تأسيس الدول فيه تتخبط، إثر الثورة الفرنسية والحروب النابوليونية وبداية تأسيس الدولة الألمانية، أي بداية ظهور العصور المدنية الحديثة، على أنقاض العصور الإقطاعية والدينية في أوروبا. لقد واكب «فلسفة الحق» ظهور الدولة الحديثة موجداً لها كل مبرراتها الفلسفية والعقلية معتبراً إياها الضامن الممكن و الوحيد لحرية الفرد ونمو المجتمع، وبالتالي روح الشعب وعقله في الوقت نفسه.
غير إن هذا لا يعني، بالطبع، إن هيغل «اخترع» الدولة. وهو نفسه، في معرض البحث في نشوء علاقة الفرد بالمدينة (الدولة لاحقاً) في العصر اليوناني فسر لنا كيف إن المواطن هناك إنما جابه فكرة الموت والسؤال الخالد عن توقف حياة الفرد – من دون مبرر -، بإيمانه المطلق بالمدينة «لذا كان يسهم ببنائها مؤمناً بأنها إن بقيت بعد رحيله سيكون بقاؤها صورة لبقائه». من هنا كانت فكرة المدينة – الدولة تماثل فكرة الخلود والخلاص من الرعب إزاء الموت .
صحيح إن الجذور تكمن ها هنا... لكن الدولة، في العرف الهيغلي، تجاوزت هذه الفكرة «الميتافيزيقية» الأصل، فبالنسبة إلى هيغل «الدولة هي التحقق الفعلي للفكرة الأخلاقية. إنها العقل الأخلاقي بصفته إرادة جوهرية تظهر وتتجلى أمام ذاتها. وتعرف نفسها وتعقل نفسها أيضا». وهذا التأكيد هو الذي يجعل هيغل يستأنف هنا بحثه في مسألة الدولة كمفهوم مكمل وجامع لمفهومي الأسرة والمجتمع المدني. فإذا كانت الأسرة قد «أبرزت عنصراً من عناصر الفكرة المحورية هو عنصر الكلية، وإذا كان المجتمع المدني ابرز عنصراً آخر هو الجزئية، فإن الدولة هي التي تبرز العنصر الثالث: عنصر الفردية الذي هو مركب من الكلية والجزئية». فالدولة «فرد حقيقي، إنها شخص أو كائن حين يميز نفسه بنفسه بطريقة تجعل حياة الكل تظهر في جميع الأجزاء، ما يعني أن الحياة الحقيقية للأجزاء – أي الأفراد – إنما توجد وتتحد مع حياة الكل، أي الدولة». ما يعني في نهاية الأمر ان الدولة ليست سوى الفرد نفسه وقد تموضع عن طريق حذف ما هو عارض زائل، ومن ثم التركيز على ما هو كلي فيه. أي أن الدولة هي التجلي الحقيقي للفرد... للإنسان».
صحيح أن هيغل يؤكد هنا أن من مصلحة كل فرد في المجتمع أن تقوم الدولة وتقوى، غير انه في إضافة لاحقة إلى نصه يقول لنا: في الطبقة الوسطي التي ينتمي إليها الموظفون، يوجد وجدان الدولة والثقافة الأكثر بروزاً وأهمية. وبالتالي فإن هذه الطبقة الوسطى هي دعامة الدولة في ما يخص التشريع وعقل الأمور. أما الدولة بلا طبقة وسطى فهي، بسبب هذا تحديداً، لا يعود لها من مكانة سوى مكانة دنيا.
ومن هنا فإن تشكل الطبقة الوسطى فيه مصلحة أساسية للدولة بكل أفرادها. وبالنسبة إلى هيغل، في هذا الإطار بالذات تنقسم فروع اهتمامات المجتمع المدني إلى ثلاثة أقسام: أولا، نسق الحاجات، أي ملكوت الاقتصاد بالمعنى الصحيح «حيث يتبادل المواطنون السلع والخدمات لإشباع حاجاتهم»، وحيث «يرتبط الأفراد بعضهم ببعض من منطلق المصلحة الخاصة، لا من منطلق الحب والثقة، كما هي الحال في الأسرة. أما القسم الثاني فيتعلق بتنظيم العدالة حيث يتجسد الحق المجرد في القوانين التي هي تشريعات محددة ومعلنة ومعروفة «وهي مخصصة لحماية الأفراد ضد الأذى». أما القسم الثالث فيتعلق بالشرطة – التي تعني هنا قدرة احتكارية للحكومة منبثقة من الإرادة العامة، وظيفتها حفظ القانون بالقوة... ثم الإشراف على شؤون المجتمع والسعار والمعيشة وصولاً إلى إنشاء الملاجئ العامة والمستشفيات وإنارة الشوارع.
والي جانب الأفكار الهيغلية المتعلقة بالحقوق والواجبات هناك العديد من الإسهامات الفكرية لبعض المفكرين المعاصرين مثل المفكر الإيطالي قرامشي الذي برز نجمة في ستينات القرن الماضي .ركز قرامشي كثير في كتاباته علي هناك مستويين متمايزين في حركة المجتمع هما المستوي السياسي ويقصد به كل كما يتناول الفعل السياسي أو تنظيم الحياة السياسية ومستوي المؤسسات المدنية الطوعية وهذه المؤسسات لا حدود لها ويمكن أن تشمل أي شي يخطر علي بال الإنسان كجمعية حماية الفئران البرية من الانقراض والتي قد تصبح رافدا مهما لأحد الأحزاب السياسية إذا تبني طرح فكرتها ومدها بالتمويل اللازم والنفخ عليه إعلاميا حول برامجها وتأسيس فروع لها في كافة محافظات الدولة أو العكس حين تتحول جمعية حماية بيئة إلي حزب سياسي ينشد التحول الديمقراطي كحزب الخضر في المانيا مثلا.
العقد الاجتماعي عند هوبز ولوك وروسو


يمكننا أن تتناول في هذا الإطار مساهمات المفكرين المذكوين في نظرية العقد الاجتماعي كل حسب منطلقاته وقناعاته في محاولة لدراسة نشوء المجتمعات الإنسانية، انطلق هوبز من السؤال التالي :لماذا يجب علينا أن نخضع للسلطة؟وللإجابة على هذا السؤال، قام هوبز بوضع نفسه في مرحلة (ما قبل المجتمع) الافتراضية ومن ثمّ قارن بينها وبين الحالة (المجتمعية)، ليستنتج بعدها الأسباب التي دعت لنشوء تلك المجتمعات والمكاسب التي تحققت منها .
وجد هوبز أنّ الإنسان في مرحلة ما قبل المجتمع (الحالة الأصلية State of Nature) يتركز اهتمامه في "المصلحة الذاتية"، ومع وجود مصادر محدودة وغياب سلطة تجبر الأفراد على التعاون، استنتج أن الحياة في مثل هذه البيئة ستكون (صعبة التحمل) وقاسية جدا، بحيث يخشى كلّ فرد على حياته من الآخر، ولا يستطيع أحدهم ضمان تلبية حاجاته ورغباته لمدّة زمنية طويلة، وعليه استنتج أن مرحلة (ما قبل المجتمع) الهمجية، تحوي أسوأ ظروف يمكن أن يعيشها الإنسان، مما يطرح وبقوة ضرورة تكون التجمعات البشرية والقوانين التي تحكمها.
رأى هوبز أن الطريق للخروج من الحالة السابقة يتم عبر الاتفاق على العيش تحت (قوانين مشتركة) والاتفاق على إيجاد (آلية لفرض القوانين) عن طريق سلطة حاكمة، ويرى هوبز بضرورة وجود "سلطة مطلقة" وإن ظهرت لديها انحرافات بسبب (غلبة العاطفة على المنطق) ولكنه تقبل ذلك، معللاً رأيه بأن (السّلطة هي الشيء الوحيد الذي يقف بيننا وبين العودة للهمجية).
استخدم جون لوك نفس المنهجية السابقة لهوبز، إلاّ أنه اختلف معه في كون (الحالة الأصلية State of Nature) مع انعدام القوانين فيها فأنها تحتوى على أسس أخلاقية، وبالتالي فهي (ممكنة التحمّل) ولها أمثلة واقعية، وليست "افتراضية" كما هو الحال عند هوبز.
كما أختلف لوك مع هوبز في معارضته لمبدأ "السّلطة المطلقة"، ورأى أنّ الفرد له حقّ مقاومة السّلطة "الغاشمة"، انطلاقا من مبدأ الدفاع عن النفس.
خالف جان جاك روسو سابقيه(هوبز ولوك) في افتراضيهما كون (الحالة الأصلية State of Nature) هي حالة مليئة بالمشاكل والظروف السيئة, بل على العكس توقع روسو أن الناس كانوا في تلك الحالة يعيشون حالة اكتفاء ذاتي وسلام في ظلّ مبادئ أخلاقية.
يرى روسو أنّ التجمّع أتى نتيجة لعوامل اقتصادية مثل الاختراعات وتطور عوامل الإنتاج وتقسيم العمل، ممّا أنشأ قيماً "جماهيرية" جديدة ناتجة عن المقارنة مثل (الخجل والحسد والفخر..) وأهمّ هذه القيم في رأي روسو هي (الملكية الخاصة)، حيث يعتبر إيجاد هذه الفكرة منحنى تاريخياً مهماً في مسيرة البشرية.
ويعود سبّب ظهور (الملكية الخاصة)، حسب روسو، إلى ظهور قيم أخرى مثل (الجشع, المنافسة, عدم المساواة...) الشيء الذي أخرج البشرية من حالتها الأصلية"الطاهرة".
وكنتيجة للملكية الخاصة انقسم الناس إلى أصحاب أملاك وإلى عمّال لديهم، مما أوجد نظام (الطبقات الاجتماعية)، أدرك أصحاب الأملاك أنّ من مصلحتهم إنشاء "حكومة" لتحمي ملكياتهم من الذين لا يمتلكونها ولكنهم يعتقدون أنهم قادرون على الاستيلاء عليها بالقوّة، ومن ثمّ تمّ تأسيس الحكومة من خلال "عقد" ينصّ على توفير المساواة والحماية للجميع بلا إستثناء، على الرغم من أن الغرض الحقيقي من إنشاء مثل هذه الحكومة هو تكريس "اللامساواة" والتي نتجت عن الملكية الخاصة، الشيء الذي يراه روسو السبب في معاناة المجتمعات الحديثة.
تطور مقومات المجتمع المدني
رغم انه من المسلم به إن وجود المجتمع سابق لوجود الدولة وان الدولة نفسها احدي مراحل تطور المجتمع إلا إن التنظيمات المدنية الحديثة قد ظهرت إلي الوجود بصورة فعالة في بدايات القرن العشرين الذي شهد ولادة العديد من المنظمات ، إلا إن الاهتمام بدراستها ودورها في المجتمع لم يبرز بوضوح إلا في نهايات القرن العشرين وهناك عدة تعريفات لهذا المجتمع فهو المجتمع العصري الذي يسمو وتتضاءل فيه سطوة الدولة وسلطانها و برزت له مفاهيم كثيرة منها انه " المجتمع الديمقراطي القائم علي المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتنوعة الأهداف والمستقلة في عملها عن الحكومة ". أو " هو المجتمع الذي يتلاشي فيه دور السلطة إلي المستوي الذي يتقدم فيه دور المجتمع علي الدولة ، بل ويذهب فريق آخر إلي اعتبار السلطة وجودا معارضا ومواجها لوجود الدولة ، لذا يجب تقليص دورها ليسود المجتمع ويمكن تعريفة كذلك بأنه " مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملا المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح افردها ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإرادة السليمة والتعددية .
يقصد به أيضا نظام مضاد للحكم العسكري السلطوي القهري المستبد ، وتارة المجتمع الحديث وبالتالي هو المجتمع النظيف الذي يمارس فيه الإنسان حريته وفق نظام متفق عليه يضبط ممارسة السلطة وجنوحها ،إذاً هو ذلك المجتمع المبادر والمتجاوز لاطروحات الدولة ومحدداتها والقادر علي الفعل دون حاجة إلي آلية الدولة .
من تعريفات المجتمع المدني أيضا انه مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملا المجال العام بين الأسرة والدولة وهذه المنظمات التطوعية تسعي لتحقيق أهدافها ومصالح أفرادها كالجمعيات الأهلية والحركات الاجتماعية والتنظيمات غير الحكومية والتي تربط وجودها ونشاطها بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف والمجتمع المدني بهذا المفهوم له أربعة مقومات أساسية هي :
1.الفعل الإرادي الحر أو الطوعي
2.التواجد في شكل منظمات
3.قبول التنوع والاختلاف بين الذات والآخرين
4.عدم السعي للوصول للسلطة
ويلاحظ أن القيم التي يتأسس عليها المجتمع المدني هي قيم الديمقراطية ، لذلك يعتبر وجوده شرطا لقيام النظام الديمقراطي ، والحركات الاجتماعية هي إطار يعبئ وينظم حركة ونشاط فئات اجتماعية أو شرائح اجتماعية أو طبقة تعبر عن مصالحها ، وهي لا تسعي إلي سلطة الدولة بل للاستقلال عن الدولة ، وهي في الأساس حركات دفع احتجاجية ، بهذا المفهوم يمكن تناول الحركات الاجتماعية بأنها مرادفة للتنظيمات المدنية وهي أوسع من ذلك إذ يمكن أن تضم الحركة الاجتماعية في صفوفها تنظيمات جماهيرية أو جمعيات وأحزاب سياسية وأنشطة إعلامية وثقافية ومفكرين وقيادات مستقلة عن الأحزاب ، بل إنها يمكن أن تضم أحزابا وتنظيمات في مجري نشاطها مثال ذلك الحركة العمالية التي يمكن أن تضم نقابات عمالية من عناصر سياسية عمالية أو اشتراكية أو صحافة وباحثين ومفكرين ، وكذلك قد تتحول اهتمامات الحركات الاجتماعية باعتبارها العامل الأكثر فاعلية في صياغة روابط جديدة إلي السياسة فتشكل أحزابا سياسية كجماعات الخضر التي تحولت إلي أحزاب في المانيا وهولندا وغيرها.
مفهوم الديمقراطية
الديمقراطية كلمة مشتقة من الكلمة اليونانية Demos وتعني عامة الناس ، و النصف الثاني kratia وتعني حكم، Demoacratia حكم عامة الشعب، الديمقراطية بمفهومها العام هي العملية السلمية لتداول السلطة بين الأفراد أو الجماعات، التي تؤدي إلى إيجاد نظام اجتماعي مميز يؤمن به ويسير عليه المجتمع ككل على شكل أخلاقيات اجتماعية. يمكن استخدام مصطلح الديمقراطية بمعنى ضيق لوصف دولة- قومية أو بمعنى أوسع لوصف مجتمع حر. والديمقراطية كشكل من أشكال الحكم هي حكم الشعب لنفسه بصورة جماعية، وعادة ما يكون ذلك عبر حكم الأغلبية عن طريق نظام للتصويت و التمثيل النيابي. و لكن بالحديث عن المجتمع الحر فإن الديمقراطية تعني حكم الشعب لنفسه بصورة منفردة من خلال حق الملكية الخاصة و الحقوق و الواجبات المدنية (الحريات و المسؤوليات الفردية) وهو ما يعني توسيع مفهوم توزيع السلطات من القمة إلى الأفراد المواطنين. والسيادة بالفعل في المجتمع الحر هي للشعب و منه تنتقل إلى الحكومة وليس العكس .
ولأن مصطلح الديمقراطية يستخدم لوصف أشكال الحكم و المجتمع الحر بالتناوب، فغالباً ما يُساء فهمه لأن المرء يتوقع عادة أن تعطيه زخارف حكم الأغلبية كل مزايا المجتمع الحر. إذ في الوقت الذي يمكن فيه أن يكون للمجتمع الديمقراطي حكومة ديمقراطية فإن وجود حكومة ديمقراطية لا يعني بالضرورة وجود مجتمع ديمقراطي. لقد أكتسب مصطلح الديمقراطية إيحاءً إيجابياً جداً خلال النصف الثاني من القرن العشرين إلى حد دفع بجميع الحكام للدعوة إلي "الديمقراطية" ولكن من منظوره ومفهومه الخاص. وكل حكومات العالم تقريباً تدعي الديمقراطية. كما إن معظم الأيديولوجيات السياسية المعاصرة اشتملت ولو على دعم بالاسم لنوع من أنواع الديمقراطية بغض النظر عما تنادي به تلك الأيديولوجيات. و هكذا فإن هناك اختلافات مهمة بين عدة أنواع مهمة من الديمقراطية.
تمنح بعض الأنظمة الانتخابية المقاعد البرلمانية وفق الأغلبية الإقليمية. فالحزب السياسي أو الفرد المرشح الذي يحصل على معظم الأصوات يفوز بالمقعد المخصص لذلك الإقليم أو الولاية كما في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها وهذه تسمي بديمقراطية الأغلبية البسيطة وتنقسم أيضا إلي نوعان هما الديمقراطية الرئاسية علي النسقين الفرنسي والأمريكي والديمقراطية البرلمانية المعروفة بنظام ( ويستمنستر) .
وهناك أنظمة انتخابية ديمقراطية أخرى، كالأشكال المتنوعة من التمثيل النسبي، التي تمنح المقاعد البرلمانية بناءَ نسبة الأصوات المنفردة التي يحصل عليها الحزب على المستوى الوطني.إحدى أبرز نقاط الخلاف بين هذين النظامين تكمن في الاختيار بين أن يكون لديك ممثل قادر على أن يمثل إقليما أو منطقة معينة من البلاد بشكل فاعل، وبين أن تكون كل أصوات المواطنين لها قيمتها في إختيار هذا الممثل بغض النظر عن مكان إقامتهم في البلد. بعض الدول كألمانيا و نيوزيلندا تعالج هذا النزاع بين شكلي التمثيل هذين بتخصيص نوعين من المقاعد البرلمانية الفيدرالية. النوع الأول من المقاعد يتم تخصيصه حسب الشعبية الإقليمية و الباقي يتم تخصيصه للأحزاب بمنحها نسبة من المقاعد تساوي تقريباً – الأصوات التي حصلت عليها على المستوى الوطني. ويدعى هذا بالنظام المختلط لتمثيل الأعضاء النسبي.
إن ما يهمنا في هذه الدراسة هو الربط بين فكرة المجتمع المدني والديمقراطية فقد بدأت ديمقراطية اسبارتا وأثينا بإشراك كل فئات المجتمع في القرارات العامة حتى كبرت الدولة في مرحلة القطرية فتحول الجميع نحو التمثيل النيابي كما هو الحال اليوم ، ومع التطور التقني الهائل الذي استفادت من كثيرا وسائل الإعلام والاتصال يمكننا القول إن التمثيل لم يعد أمرا مهما وبامكان الجميع التصويت علي أي قرار الكترونيا علي نسق الاستفتاء خاصة فيما يتعلق بالأمور غير المستعجلة كإجازة اللوائح والقوانين .
إن ابرز صور المقاومة المدنية المعاصرة لأنظمة قابضة وغير ديمقراطية هو مثال نقابة أو منظمة التضامن العمالية التي قادت التحول الديمقراطي وحققت نجاح كبيراً عندما كانت الشيوعية في أوج قوتها في بولندا بقيادة زعيمها (ليش فاليسا) قائد عمال أحواض بناء السفن حول ميناء (غدانسك).. وانتصاره لمطالب العمال فى مواجهة الحكومة في بداية ثمانيات القرن الماضي .
وعند الحديث عن المجتمع المدني علي انه مجتمع حديث ومتطور ومرتبط بالأنظمة الديمقراطية ، فان السؤال الذي يبرز هو عن دور مؤسسات المجتمع المدني في الديمقراطية والحكم الراشد يكون المثال البولندي وما شابهه أفضل الاستلال، غير أن تلك المؤسسات مطلوب منها إعادة النظر في بناءها الهيكلي وعلاقتها بمؤسسات الدولة أو الحكومة من حيث استقلاليتها في التفكير والتمويل.
وحتى لا تعني منظمات المجتمع المدني للوهلة الأولي المعارضة للنظام الحاكم أيا كان نوعه فلا بد لتلك المنظمات كذلك أن تظل بعيدة عن تأثيرات أحزاب المعارضة، التي تسعي في الغالب الأعم ، للاستفادة من ما تطرحه تلك المنظمات من مطالب تتعلق بكافة أوجه الحياة فتصور ذلك تقصرا من قبل الحكومة في تصديها لمشكلات المجتمع .ويستحيل علي المجتمع الإنساني أن يخلو من مشكلات عبر مراحل تطوره المختلفة إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها وما عليها فتلك سنة الكون منذ الأزل ، وهذا يعني أن تلك المنظمات يجب عليها أيضا التمتع بقدر من الاستقلالية عن أحزاب المعارضة التي ستلتقي معها حتما طالما ظل هدف المعرضة هو تصيد أخطاء الحكومة فتصبح المنظمات المدنية المنادية بكافة أشكال الحقوق الاجتماعية مثلا ، مصدر إمداد رئيس للمعارضة السياسية ،وهذا يعني الاتفاق مع القول إن إبعاد المؤسسات المدنية عن برامج المعرضة، ضمانة أساسية لحيدتها من الناحية النظرية علي الأقل- فليست هناك حيادا مطلقا- وعند الحديث عن فرضية أن الأداء الفاعل لمنظمات المجتمع المدني لا يتحقق إلا عبر التحرك الحزبي ، ونشاطات المعارضة فهذا أيضا- ليست دائما صوابا- بحيث يمكن لتلك المنظمات تطوير آلياتها بمفردها أو إيجاد صيغ للتعاون مع الأحزاب السياسية في الحكومة أو المعارضة.
الحكم الراشد
مع تطور الحياة الإنسانية واعتمادها علي مصادر وموارد محدودة تتناقص من حين لآخر أصبحت الحكومات والدول مواجهة بواقع أكثر تعقيدا وتدهورا فبدا البحث عن أفكار جديدة يمكن أن تؤدي إلي إيجاد مدي كبير يمكن من خلاله الحصول علي الموارد الكفيلة بضمان السير العادي للحكومات ، وتبعا لذلك استقرار الدول ضمن حدودها الإقليمية التقليدية الموروثة بعد معاهدة سلام ويستفاليا 1648 بالنسبة للدول الأوربية أو ما بعد الاستقلال بالنسبة للدول التي كونها الاحتلال الأوربي لبقية أنحاء العالم.
وهكذا ظهرت للوجود فلسفة جديدة للحكم سميت بالحكم الراشد أو الرشيد في المعني الأصح في اللغة العربية كما ورد في الآية الكريمة ( أليس منكم رجل رشيد ) وقد جاءت بمعني حسن التقدير والتدبير، هذه الفلسفة جاءت بنوع من التطور والتجديد بإعطاء المجتمع المدني حركة جديدة في إطار الشفافية والمساءلة ، وعبر الجمعيات المدنية كإطار نوعي للأبعاد التربوية والثقافية والتوعوية ، لان منظمة المجتمع المدني هي التي تؤسس الإطار الحقيقي للمجتمع والرأي العام وبامكانها تحفيز تحركات أكثر ايجابية للمجتمع ككل ، إضافة إلي الأفكار الجديدة والاستفادة من تراكم الحراك الكلي للمجتمع والدولة و الآراء والتجارب المكتسبة التي تثري التبادلات بشتي أشكالها وصورها ، وهذا يعني إيجاد مرونة في المشاركة في اتخاذ قرارات من اجل المصلحة العامة.
إن الحكم الراشد أو الحاكمية هي مجموعة القواعد الطموحة الموجهة لإعانة ومساعدة المسيرين للالتزام بالتسيير الشفاف في إطار هدف المساءلة على أساس قاعدة واضحة المعالم وغير قابلة للانتقاد أحيانا كون كل الأطراف الفاعلة عبر النشاطات المتعددة تساهم في ذلك أي في مجال التسيير، وقد أصبحت الحاكمية الجيدة هي الكلمة المحورية للتنمية الدولية وهي مطبقة في كل القطاعات وقد ظهر هذا المصطلح بشكل جلي في حقبة الثمانينيات أي في الوقت الذي بدء فيه بالتطبيق الميداني لبرامج التكيف الهيكلي والتي تهدف إلى خلق النمو الاقتصادي، إلا أن ذلك لم يتحقق في كثير من البلاد النامية، بمعنى ظهور صعوبات كثيرة وجادة حال دون تطبيق هذه البرامج، وقد تم تشخيص هذه الصعوبات فتبين أن هناك أخطاء في تسيير الأعمال العمومية للدولة .
تطور هذا المفهوم أكثر من أي وقت مضي و أصبح من الممكن الاستعارة من استراتيجياته الابتكارية المرنة الكثير من الاستخدامات في مجالات السياسة والاقتصاد والتنمية المستدامة وغيرها فأصبح مرتبطا بالسياسات العمومية وانطلق من المحلية إلي العالمية فهناك حاكمية عالمية للسياسات النقدية والتشغيلية وشبكات وقنوات الاتصالات كأجهزة الاتصالات الثابتة والمحمولة وشبكة الانترنت والفضائيات وغيرها.
في هذا الإطار يمكننا القول إن التطور الاجتماعي والديمقراطية هي عمليات تتم بصورة متماثلة ومتعاضدة ، فالديمقراطية تشكل جزء من التنمية بنوعيها السياسي والاقتصادي، وهذا تتولد عنه التوسعة في الحريات الحقيقة بما يشمل الحريات الشخصية التي يجب تقبلها بغض النظر عن المفاهيم القيمة المختلف عليها من المنطلقات الأيدلوجية.
إن أسلوب المشاركة وفقا للنسق الديمقراطي الراشد له الكثير من التأثير علي سلوكيات الأفراد الذي ينعكس بدوره علي سلوك المنظمات الحكومات والدول كمنظومات متداخلة ومتفاعلة ، فأسلوب المشاركة المجتمعية يؤدي شيئا فشيئا إلي مؤسسات تتميز بخاصية المساواة والتي تحل محل المؤسسات السابقة التي اتسمت بالإدارة الكلية أو الجزئية للأعمال بصورة غير مرنة والتي بدورها جعلت سلوكيات الأفراد غير مرنة ومقيدة في اغلب الأحوال، مما يتطلب إطلاق العنان لهذه السلوكيات( وفق ضوابط محددة) بحيث تساهم سلوكيات الأفراد في بناء دولة الحكم الراشد ، لان ذلك هو الأسلوب الامثل لتشجيع المسؤولية المحلية ، خاصة علي مستوي الجماعات المحلية والحكم المحلي في بلد كالسودان يتميز بشساعة المساحة و الانتشار الأفقي للمؤسسات والجماعات المحلية ما يحدث بها وبينها يوميا من مناوشات وصراعات تقود أحيانا إلي مجابهات مسلحة وغير مسلحة تحت العديد من أشكال التظلمات والتظلمات المضادة، فالأسلوب الجديدة للحاكمية يشجع المسؤولية المحلية ويزيد من فرص الحراك الاجتماعي ويمكن أن يمتد تاثيرة إلي تحولات ديمغرافية أو جيوسياسية سواء كان ذلك علي مستوي الدولة أو جماعاتها المحلية في إطار اللامركزية وتوسعة وتطوير صيغ الحكم المحلي لإيجاد المزيد من فرص الشراكة بأنواعها المختلفة لإزالة المشاحنات الناتجة عن الحسد والبغضاء أحيانا والشعور بالظلم في أحايين أخري.
مطلوبات البناء الديمقراطي
للديمقراطية تاريخ حديث في دول العالم الثالث التي تكونت بعد تصفية الاستعمار الأوربي ، وترجع في بعضها إلي النصف الأول من القرن العشرين ، كما في جمهورية مصر العربية ، حيث ارتبط النضال من اجل الديمقراطية بالكفاح من اجل التحرر الوطني ، فقامت الأنظمة الوطنية التي أعقبت الاستقلال كما سبق ذكره علي مفاهيم الديمقراطية الليبرالية من تعددية حزبية وسلطات تشريعية منتخبة في ظل اعتراف بالحقوق السياسية للمواطنين ، ولكنها كانت ديمقراطية شكلية تنعم بها بعض الفئات التي رثت الاستعمار ، وبعض قطاعات الطبقة الوسطي ، ولهذا فإنها لم تصمد طويلا ، وسرعان ما أعقبها تبني نظام الحزب الواحد في اغلب الدول حديثة التكوين كما سبقت الإشارة إليه بدعوي المحافظة علي النسيج الوطني الهش، وصحب ذلك انقلابات عسكرية وقيام أنظمة حكم شمولية فضلت الأولوية الاقتصادية والاجتماعية وتأكيد الاستقلال الوطني علي حساب الحريات السياسية والحزبية والانتخابات البرلمانية .
ومع إخفاق هذه النظم في تحقيق التنمية و المحافظة علي استقلال الدولة الوطنية في مواجهة الرأسمالية العالمية ، الذي رافقه تدهور ملحوظ في معيشة المواطنين والقدرة علي إشباع حاجاتهم الأساسية في الربع الأخير من القرن العشرين ارتفعت من جديد الأصوات المنادية بالديمقراطية ، بعد أن تأكد للجميع انه لا يمكن مقايضة حريات الشعوب وحقوقها الأساسية بوعد لا تتوفر له إي ضمانات لحل مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية ، وقد أثبتت التجربة العملية خلال الخمسين سنة الماضية إن ما تحقق من مكاسب اقتصادية واجتماعية سرعان ما تم التخلي عنه دون مقاومة تذكر بسبب غياب التنظيمات السياسية الفاعلة .
عاد الحديث والاهتمام بالديمقراطية في نهايات القرن العشرين كجزء من ظاهرة العولمة برياحها وتيارها الجارف الذي تأثرت به المجالات الاقتصادية ، والسياسية والاجتماعية وأصبحت العولمة تسعي لتسيد نمط واحد في كل المجالات ومن بينها نظام الحكم .
ورغم أن الديمقراطية في القارة تتأثر بطبيعة التكوين التي سبقت الإشارة إليها إلا إنها يمكن أن تكون احدي الوسائل المناسبة لتحويل النزعات الانفصالية الإقليمية إلي التنافس الديمقراطي القومي بهدف الوصول إلي المحافظة علي كيان الدولة الذي أصبح مهددا في العديد من دول العالم الثالث.
اختلفت النظرة إلي الديمقراطية باختلاف المواقع الايدولوجية كما سبقت الإشارة إليه ، إلا إن تطبيقاتها كانت أدارتها تقبع في ظل أنظمة شمولية وعجزت عن توفير الشروط الضرورية للمشاركة الشعبية وتمكين الشعوب من اختيار حكامها ورقابتها علي السلطة التنفيذية وصياغة السياسات العامة .
يمكن القول إن الديمقراطية التي تحققت في الكثير من المجتمعات باعتبارها وسيلة لإدارة الصراع المجتمعي ومن خلال قواعد وأسس متفق عليها سلفا بين الأطراف تضمن تداول السلطة بين الجميع من خلال انتخابات حرة ونزيهة ، ويشترط لتحقيق هذه الصيغة الديمقراطية حسب ما تراه منظمة الأمم المتحدة توفر المقومات الأساسية التالية :
1.إقرار الحقوق والحريات السياسية والمدنية والإعلام الحر
2.الاعتراف بالتعددية في المجتمع بكل ما يترتب عليها من نتائج
3.إقرار مبدأ سيادة القانون ودولة المؤسسات واستقلال القضاء
4.تداول السلطة من خلال انتخابات دورية حرة تجسد نتائجها إرادة الناخبين .
هذه الشروط المذكورة لا تتوفر في عديد من الدول التي ينقصها قيام المجتمع الديمقراطي ، ففي اغلب الأحيان نجدها تتكون من مجتمعات أهلية أو قبلية تعتمد علي التقسيم الاثني أو القبلي أو الإقليمي الداخلي ، وفي الظروف الدولية الجديدة تزداد احتمالات تبلور حركات اجتماعية علي أساس القوميات الصغرى أو العرق أو الجنس أو الجهة ( الإقليم ) مما يجعل التكوينات الحزبية نفسها تتأثر بتلك الأسس ، ويتضاءل الولاء للأحزاب القومية نتيجة تقديم عنصر العرق والجهة ، مما يتطلب إعادة تقوية الأحزاب نفسها ، وافساح المجال لها مهما كانت الملاحظات حولها فهي البديل الأفضل للاثنية والقبلية التي بدأت تعصف بتلك الدول .
الدولة القطرية ومشكلات التكوين
تعتبر الدولة القطرية المعاصرة في العالم الثالث صنيعة الإرث الاستعماري الذي قسم القارات إلي عدة دويلات علي أساس المصالح الخاصة فيما عرف بالتدافع نحو أفريقيا في القرنين الثامن والتاسع عشر بهدف الحصول علي اكبر قدر من المكاسب المادية وفي مقدمتها المواد الخام الرخيصة التي تتمتع بها القارة. ولما كان الدافع الاقتصادي هو حجر الزاوية في تلك الحملة لم تراع الدول الاستعمارية ما هو قائم من كيانات سياسية بل تم تقسيم تلك الكيانات بين الدول الأوربية لتكوين مستعمرات جديدة علي أنقاض تلك الممالك ضمت بداخلها كل المتناقضات السياسية الجاذبة للتوتر والنزاعات .
اهتمت الدول الأوربية بنقل كل تجاربها السياسية لتلك الدول الوليدة وفي مقدمتها الديمقراطية الغربية ونظام تعدد الأحزاب سواء كان ذلك علي نسق الديمقراطية البرلمانية الإنجليزية (ويستمنستر ) أو الديمقراطية الرئاسية علي النسق الفرنسي وما شابهه.
في فترة تهيئة الدول الجديدة لنيل استقلالها تم السماح بتأسيس أحزاب سياسية لخوض المعترك السياسي وكان علي رأس تلك الأحزاب النخب المثقفة علي النمط الغربي التي بادلت الاستعمار ثناء بثناء فتبنت كل أفكاره وكانت التنيجة تطبيق نوع من الديمقراطية في السنين التي أعقبت الاستقلال . ولكن من المفارقات النظرية والتطبيقية أن تلك النخب سرعان ما دعت إلي إلغاء نظام التعدد الحزبي بحجة المحافظة علي الوحدة الوطنية فدمجت كل الأحزاب في الحزب الحاكم إما بالمنع أو الإلغاء أو الإيقاف القانوني أو الإقناع والتفاوض كما حدث في بعض الدول الإفريقية مثل كينيا ، غانا ، أوغندا وغيرها , وذلك أدي بدوره إلي تجربة الانقلابات العسكرية التي شهدتها القارتين الآسيوية والأفريقية وساهمت في تخطيطها وتنفيذها الأحزاب التي أجبرت علي الخروج من الساحة بعد تبني نظام الحزب الواحد .
في ثمانينات القرن الماضي شهدت بعض الدول الإفريقية والآسيوية والكاريبية نزوعا جماعيا نحو الديمقراطية عززه في التسعينات من نفس القرن ظهور النظام العالمي الجديد بميوله نحو القيم السياسية الغربية ومن بينها الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الراشد وقد ساعد علي ذلك بروز ظاهرة العولمة إلي مثلت تجربة تبني الديمقراطية الغربية ورديفاتها من مسميات ابرز المعالم الأساسية لها ، وتم ربط ذلك تقديم المساعدات الاقتصادية والإنسانية بمدي ما تحققه الدولة من مقدرة السير وفق تلك الأسس فسعت جميع الدول لتحقيق قدر من تلك المطلوبات ومن بينها التعددية والديمقراطية الحزبية وتكوينات المجتمع المدني.
خاتمة
لقد أتضح بجلاء عمق العلاقة بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني باعتبارها تطورا طبيعيا للمجتمع الذي كون أشكالا وتصورات مختلفة للدولة ودائما ما تنزع فطرته نحو ابتكار آليات جديدة للاجتماع الإنساني عبر العصور طالما ظلت الحياة في تقدم مضطرد يستفيد من الخبرات التاريخية، ولعل سؤال الحكم كأحد المقومات الأساسية ظل ماثلا علي الدوام وبقيت الديمقراطية احدي آلياته ومصطلحا قابلا للاستدامة يدور حول الشعب وحكمه لنفسه حتى صار هناك ارتباطا وثيقا بين الاستقرار والتنمية والديمقراطية .
وفي هذا الإطار نفسه جاءت فلسفة الحكم الراشد كمرتكز آخر للشرعية والقبول الشعبي للحكومات والمستند علي درجة عالية من النزاهة والشفافية والمساءلة لكل قنوات وأجهزة الدولة حتى تلتزم جانب المنهجية وتجويد الأداء . غير أن ذلك كله لا يتحقق إلا في وجود تنظيمات مجتمع مدني فاعلة ومؤثرة وقادرة علي ممارسة دورها في رفد المجتمع بتكوينات يصبح دورها داعما للدولة ومحاولا تحقيق اختراق في الميادين التي لم تستطع الدولة سد فراغاتها.(يتبع)